الشيخ محمد الصادقي
90
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
يعني علم الصيد الصالح إنسانيا وشرعيا ، فإن الصياد يجرح أو يقتل ثم يعده للأكل ، فلذلك جارحة الصيد تعلّم ألا يأكل الصيد حاله . ولأن جارحة الصيد مرسلة عن الصياد ، فلتكن - ككل مرسل - أمينة لا تقتل ولا تأكل حيوانيا مفترسا ، و « مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ » تبعّض ذلك التعليم اختصاصا بما يمكن في العادة تعليمه من الحفاظ على أمانة الصيد ، إذ ليست الجارحة - أيا كانت وكيفما كانت - لتتعلم كلّما علّمه الإنسان إنسانيا ، فضلا عما علّمه شرعيا ، فمن الواجهة الإنسانية تعلّم الجارحة العدل في أصل الصيد وفصله ، ألا تفترسه إلّا قدر الضرورة للحصول عليه ، ولا تأكل كله أو كثيرا منه ، اللّهم إلّا قدر الحاجة الحاضرة ، فتمسك لصاحبها ما يصدق : « أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ » . ذلك ، وأن تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه في صالح الصيد وطالحه ، فكلّما يمكن في العادة - دون حرج أو عسر - تعليمه إياها مما علّمه الصياد نفسه ، يجب أن يعلمه إياها تعليما تطبيقيا ، لا فقط نظريا ، فحين تعلّم ولا تطبّق ما تعلمته فهي كما لم تعلّم على سواء . إذا فالحالة الإنسانية مع الهالة الإيمانية تطبّقان في ذلك التعليم لمكان « مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ » حيث المخاطبون هم المؤمنون ، وهنا يحل صيدها « مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ » . ومن الخارج عن طوق التعليم ذكر اسم اللّه عليه ، والتوجيه للقبلة وفري الأوداج ، ومما هو داخل في طوق التعليم ألا تخنقه أو ترديه وما أشبه من مصاديق الإماتة حيوانيا مفترسا اللّهم إلا عند الضرورة وبقدرها ، فإذا اكتملت هذه الشروط الأدبية الأديبة « فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ » فالإمساك عليكم كلا أو بعضا أدبيا قاصدا هو مما علمكم اللّه كما في كل موكّل بأمر ، حيث الصياد ليس ليأكل صيده حاله وحالّه ، فضلا عن الموكّل في صيده .